الشيخ عبد الغني النابلسي
85
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
أن اللّه تعالى شرع في يوم القيامة لأصحاب الفترات جمع فترة وهي انقطاع الوحي وفقد تواتر الدين الصحيح بين كل رسولين كالفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام والأطفال الصغار الذين ماتوا قبل البلوغ ولعلهم أطفال المشركين ، فإن أطفال المسلمين كلهم في الجنة كما ورد في الأخبار النبوية والمجانين الذين ماتوا قبل أن يجري عليهم قلم التكليف في الدنيا . فيحشر هؤلاء يوم القيامة في صعيد واحد ، أي أرض واحدة غير محشر الناس لإقامة العدل الإلهي عليهم والمؤاخذة بالجريمة في أصحاب النار منهم والثواب العملي ، أي العمل الصالح في أصحاب الجنة منهم فإذا حشروا في صعيد واحد بمعزل عن الناس بعث فيهم نبي من أفضلهم يبلغهم بإرساله إليهم وتمثّل لهم نار يأتي بها هذا النبي المبعوث إليهم في ذلك اليوم فيقول لهم : أنا رسول الحق تعالى إليكم فيقع عندهم التصديق به عند البعض منهم ويقع التكذيب به عند بعضهم الآخر ويقول لهم اقتحموا ، أي ادخلوا هذه النار بأنفسكم فمن أطاعني نجا ودخل الجنة ومن عصاني وخالف أمري هلك وكان من أهل النار فتنة لهم منه تعالى بذلك واختبارا ومحنة في طاعة اللّه تعالى . فمن امتثل أمره منهم ورمى بنفسه فيها ، أي في تلك النار سعد ونال الثواب العملي ، أي ما يثاب عليه أهل العمل الصالح وجد تلك النار ، التي رمى بنفسه فيها بَرْداً وَسَلاماً [ الأنبياء : 69 ] ، عليه أي أمانا له من التأذي بها ودخل الجنة مع الطائعين ومن عصاه فلم يرم بنفسه فيها استحق العقوبة لمخالفة ما كلف به من حكم اللّه تعالى فدخل النار ، أي نار العقاب مع المخالفين ونزل فيها ، أي في نار العقاب بعلمه المخالف ليقوم العدل من اللّه تعالى في جميع عباده فهذا تكليف يبقى في يوم القيامة قبل دخول الجنة والنار . * * * وكذلك قوله تعالى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ أي أمر عظيم من أمور الآخرة وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ تكليف وتشريع فيهم . فمنهم من يستطيع ومنهم من لا يستطيع ، وهم الّذين قال اللّه تعالى فيهم : وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [ القلم : 42 ] وهذا كما لم يستطع في الدّنيا امتثال أمر اللّه بعض العباد كأبي جهل وغيره . فهذا قدر من الشّرع في الآخرة يوم القيامة قبل دخول الجنّة والنّار ، فلذا قيّدناه . والحمد للّه ربّ العالمين .